أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

169

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بهذا القيد . والظاهر أنّ « وَهُدىً » نسق على « مُبارَكاً » . وزعم بعضهم أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره : وهو هدى ، وهو ساقط الاعتبار به . والبركة : الزيادة ، يقال : بارك اللّه لك أي : زادك خيرا ، وهو متعدّ ، ويدلّ عليه : « أن بورك من » « 1 » ويضمّن معنى « ما يتعدى » بعلى كقوله : « وباركنا عليه » « 2 » . و « تبارك » لا يتصرّف ولا يستعمل مسندا إلا اللّه تعالى ، ومعناه في حقّه تعالى : تزايد خيره وإحسانه ، وقيل : البركة ثبوت الخير ، مأخوذ من مبرك البعير . وإمّا من الضمير المستكنّ في الجار ، وهو « بِبَكَّةَ » لوقوعه صلة ، والعامل فيها الجارّ بما تضمّنه من الاستقرار أو العامل في الجار ، ويجوز أن ينتصب على إضمار فعل المدح أو على الاختصاص ، ولا يضرّ كونه نكرة ، وقد تقدّم دلائل ذلك . و « لِلْعالَمِينَ » كقوله : « للمتقين » أول البقرة « 3 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 97 إلى 98 ] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) قوله تعالى : فِيهِ آياتٌ : يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال : إمّا من ضمير « وُضِعَ » ، وفيه ما تقدّم من الإشكال ، وإمّا من الضمير في « بِبَكَّةَ » وهو واضح ، وهذا على رأي من يجيز تعدّد الحال لذي حال واحد ، وإمّا من الضمير في « لِلْعالَمِينَ » ، وإمّا من « هُدىً » ، وجاز ذلك لتخصّصه بالوصف ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في « مُبارَكاً » ، ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب نعتا لهدى بعد نعته بالجار قبله ، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، وإنما جيء بها بيانا وتفسيرا لبركته وهداه ، ويجوز أن تكون الحال أو الوصف على ما مرّ تفصيله هو الجارّ والمجرور فقط ، و « آياتٌ » مرفوع بها على سبيل الفاعلية ، لأنّ الجارّ متى اعتمد على أشياء ذكرتها في أول هذا الموضوع رفع الفاعل ، وهذا أرجح من جعلها جملة من مبتدأ وخبر ، لأنّ هذه الأشياء - أعني الحال والنعت والخبر - أصلها أن تكون مفردة فما قرب منها كان أولى ، والجارّ قريب من المفرد ، ولذلك تقدّم المفرد ثم الظرف ثم الجملة فيما ذكرت ، وعليه الآية الكريمة : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ « 4 » فقدّم الوصف بالمفرد وهو « مؤمن » ، وثنّى بما قرب منه وهو « من آل فرعون » ، وثلّث بالجملة وهي « يكتم إيمانه » ، وقد جاء في الظاهر عكس هذا ، وسأوضّح هذه المسألة إن شاء اللّه عند قوله : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ « 5 » . قوله : مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً فيه أوجه : أحدها : أنّ « مَقامُ » بدل من « آياتٌ » ، وعلى هذا يقال : إنّ النحويين نصّوا على أنه متى ذكر جمع لا يبدل منه إلا ما يوفّي بالجمع فتقول : « مررت برجال زيد وعمرو وبكر » لأنّ أقلّ الجمع الصحيح ثلاثة ، فإن لم يوفّ قالوا : وجب القطع عن البدلية : إمّا إلى النصب بإضمار فعل ، وإمّا إلى الرفع على مبتدإ محذوف الخبر ، كما تقول في المثال

--> ( 1 ) سورة النمل ، آية ( 8 ) . ( 2 ) سورة الصافات ، آية ( 113 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 2 ) . ( 4 ) سورة غافر ، آية ( 28 ) . ( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) .